المنجي بوسنينة
361
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
صفوت فلم أكدر على من يودّني * ولا يتّقي من قد صحبت بوادري ألا ثكلت أم الجبان وليدها * وفازت بما حازته أم المخاطر أحنّ إلى يوم عبوس عصبصب * تتوق له نفسي حنين الأباعر إلى موقف بين الأسنة والظبا * ومنزلة بين القنا المتشاجر يكشّر فيه الموت عن حد نابه * وتغدو المنايا داميات الأظافر فها نحن أمام شاعر يأبى الذل ولا ينحني لحكم دهر ظالم ، شاعر عزيمته حادة قاطعة كالسيف ، عفيف ، وفي وأصحابه لا يتقون ما يصدر عنه قولا وفعلا ، لأنه موضع اطمئنان وثقة ، فالأخرس في شعره النبيل هذا ، يقول : إن المرأة التي تلد وينشأ وليدها جبانا سرعان ما تفقده وتشكله ولا تفوز بالأمجاد إلّا أم المقدام المخاطر ، ثم يفصح عن حنينه الطاغي إلى موقف تظهر فيه فروسيته وشجاعته على حقيقتها حين يدعوه الواجب أن يخوض غمار الحرب بين السيوف والرماح وهي متشابكة فوق رأسه والموت قد فغر فاه وأظافره تلونها الدماء . والأخرس ، في هذه القصيدة - كما في غيرها من القصائد - يحاكي في أبياته الأشعار العربية القديمة ، ولكنه لا يبلغ شأو النصوص الشعرية العباسية الخالدة ، ففيها شيء من التقليد والمحاكاة وميل إلى إيراد الغريب من الألفاظ التي ربّما كانت تلائم العصور القديمة ، منها - عصبصب ، حنين الأباعر - ويظهر أن التقليد والمحاكاة ظاهرة سائدة في كثير من أشعار القرن التاسع عشر لأسباب ثقافية واجتماعية وسياسية حتّى إذا بدأ القرن العشرون ، حاول الشعراء أن يعيدوا إلى الشعر العربي روعته المعهودة وإبداعه ، ويظهر أن الأخرس ، كان سبّاقا في التعبير عن الحياة بالشعر الجاد قبل غيره ، أو على الأقل كان مع قلّة من أقرانه الشعراء قد جدّدوا وحاولوا إعادة النور إلى ظلام وكهوف الحياة التي تردى الشعر فيها ، بحيث امتلكوا شرف المحاولة والمغامرة الصادقة . . وعبد الغفار الأخرس ، يشترك مع بعض شعراء عصره ، في حب ومدح أهل بيت الرسول وقد عبّر عن ذلك مرارا ، ولنقف عند هذا النموذج له : علويّ الأصل علوي الثنا * سيد السادات مولانا علي الرفيع القدر والعالي البنا * مستهل الوبل عذب المنهل وإلى هذا فالأخرس في شعره ، مقبل على الحياة والتمتع بالمباهج والمسرات ، ولعل تغنيه بالخمرة يعبّر عن هذا الأمر بجلاء ، فهو لا يرى في الخمرة وسيلة للوصول إلى المعرفة ، بل يراها وسيلة إلى الأنس والفرح مع الندمان والأصحاب المنغمرين في دم الكرمة وسحر الخمرة ، وربّما كان النموذج الذي نورده خير دليل على هذا الأمر . بحياة الطّاس والكأس عليك * نزّه المجلس من كلّ ثقيل وتحكّم إنّما الأمر إليك * ولك الحكم من هذا القبيل